محمد بن جرير الطبري
102
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كما قال بعض الشعراء : إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا فالعيون تكحل ، ولا تزجج إلا الحواجب ، فردها في الإعراب على الحواجب ، لمعرفة السامع معنى ذلك وكما قال الآخر : تسمع للأحشاء منه لغطا * ولليدين جسأة ودئدا والجسأة : غلظ في اليد ، وهي لا تسمع . وقرأ ذلك بعض قراء المدينة ومكة والكوفة وبعض أهل البصرة بالرفع وَحُورٌ عِينٌ على الابتداء ، وقالوا : الحور العين لا يطاف بهن ، فيجوز العطف بهن في الإعراب على إعراب فاكهة ولحم ، ولكنه مرفوع بمعنى : وعندهم حور عين ، أو لهم حور عين . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء مع تقارب معنييهما ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب . والحور جماعة حوراء : وهي النقية بياض العين ، الشديدة سوادها . والعين : جمع عيناء ، وهي النجلاء العين في حسن . وقوله : كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يقول : هن في صفاء بياضهن وحسنهن ، كاللؤلؤ المكنون الذي قد صين في كن . وقوله : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : ثوابا لهم من الله بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ، وعوضا من طاعتهم إياه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا ابن يمان ، عن ابن عيينة ، عن عمرو عن الحسن وَحُورٌ عِينٌ قال : شديدة السواد : سواد العين ، شديدة البياض : بياض العين . حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الضحاك وَحُورٌ عِينٌ قال : بيض عين ، قال : عظام الأعين . حدثنا ابن عباس الدوري ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قال : الحور : سود الحدق . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن عباد بن منصور الباجي ، أنه سمع الحسن البصري يقول : الحور : صوالح نساء بني آدم . حدثنا الحسن بن عرفة قال ثنا إبراهيم بن محمد ، عن ليث بن أبي سليم ، قال : بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران . حدثنا الحسن بن يزيد الطحان ، قال : حدثتنا عائشة امرأة ليث ، عن ليث ، عن مجاهد قال : خلق الحور العين من الزعفران . حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا عمرو بن سعد ، قال : سمعت ليثا ، ثني عن مجاهد ، قال : حور العين خلقن من الزعفران . وقال آخرون : بل معنى قوله : حُورٌ أنهن يحار فيهن الطرف . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد وَحُورٌ عِينٌ قال : يحار فيهن الطرف . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ قال أهل التأويل ، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أحمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن ابن أبي كريمة ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ قال : " صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي " . وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً يقول : لا يسمعون فيها باطلا من القول ولا تأثيما ، يقول : ليس فيها ما يؤثمهم . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً والتأثيم لا يسمع ، وإنما يسمع اللغو ، كما قيل : أكلت خبزا ولبنا ، واللبن لا يؤكل ، فجازت إذ كان معه شيء يؤكل . وقوله : إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يقول : لا يسمعون فيها من القول إلا قيلا سلاما : أي أسلم مما تكره . وفي نصب قوله : سَلاماً سَلاماً وجهان : إن شئت جعلته تابعا للقيل ، ويكون السلام حينئذ هو القيل ، فكأنه قيل : لا يسمعون فيها لغوا